فخر الدين الرازي

75

تفسير الرازي

بالتخويف ، وفي الشريعة على ضربين : مفسر وغير مفسر ، فالمفسر أن يقول : لله علي عتق رقبة ، ولله علي حج ، فههنا يلزم الوفاء به ، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول : نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله ، أو يقول : لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى ، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " . أما قوله تعالى : * ( وما للظالمين من أنصار ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أنه وعيد شديد للظالمين ، وهو قسمان ، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي ، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن المستحق إلى غيره ، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة ، أو يفسدها بالمعاصي ، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير ، بل من باب الظلم على النفس . المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر ، قالوا : لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصاراً لهم وذلك يبطل قوله تعالى : * ( وما للظالمين من أنصار ) * . واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصراً ، بدليل قوله تعالى : * ( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) * ( البقرة : 48 ) ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفعاء . والجواب الثاني : ليس لمجموع الظالمين أنصار ، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين أنصار . فإن قيل : لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد ، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار . قلنا : لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد . والجواب الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل ، وفي كل الأوقات ، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات ، والخاص مقدم على العام والله أعلم . والجواب الرابع : ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق ، بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً ، والمسألة ليست ظنية ، فكان التمسك بها ساقطاً . المسألة الثالثة : الأنصار جمع نصير ، كإشراف وشريف ، وأحباب وحبيب .